تلك سدرة منتهاى .... عمرى ومضة فيك


Tuesday, January 22, 2008

الشعر والفن السابع


هــل هناك عـلاقة مباشرة وصريحة بين السينما والشعر؟ هل لقب "شاعر سينـــمائى" هو لقب واضح وجلى ؟ أم انه تعبير غامض وملتبس؟
انك تستشعر احيانا وانت تشاهد بعض الافــــلام السينمائية أن هناك ثمة تعبير شعرى بها وان الشعر حاضرا فيها بطريقة ما . قد لا تبدو جلية كما فى حالة المسرح ولكنها موجودة على نحو خفى وباطنى غير ظاهر
ان حضورك لمسرحية شعرية ليمكنك على وجه اليقين من من تحديد اين هو الشعر، ذلك لانه موجود ببساطة فى حوار الممثلين الذى هو شعرا خالصا لا تخطئه عين ولا أذن، ولكن الامر مختلف تماما فى حالة السينما. فالحوار السينمائى لا يمــكن بأى حــال
من الاحوال أن يكون شعرا خالصا . وحتى لو فرضنا أننا كتبنا الحوار شعرا فهذا لن يؤدى لان يكون الفيلم شاعريا. حيث ان المنتاج السينمائى وايقاع الفيلم – المختلف بطبيعة الحال عن ايقاع الشعر- سيحولان دون ادراك المشاهد لقيمة الشعر الموجود فى الحوار
لكن السينما تستخدم الشعر بمستوى آخر غير المستوى الذى يستخدمه المسرح فالسينما هذا الوسط المرئى تستخدم الشعر فى البناء الدرامى نفسه وتستفيد من لغة الشعر ليس فى الحوار ولكن فى اللغة السينمائية نفسها. ولعل الانسان-هذا الكائن الشعرى فى طبعه- استخدم تقنيات اللغة الشعرية وهو يعبر سينمائيا عما يشغله من قضايا وما يعتمل فى نفسه من احاسيس ، فعل ذلك دون ان يدرى وبغير قصدية متعمدة ولكن بميله الطبيعى نحو الشعر . فالشعر ليس هذا النوع الادبى ذو الجماليات الخاصة به فحسب لكنه هو الوعى بالعالم هو التعبير ذو الرونق السحرى عن الواقع وما اظن ان السينما غير هذا وذاك.
ولكى يكون هذا المفهوم واضحا لدى القارىء دعونا نقترب قليلا من اللغة السينمائية ومن قواعدها وبالاحرى هذه القواعد التى تتشابه مع اللغة الشعرية .فالــلغة التى تكتب بها السينما تعتمد على الصورة بأكثر من إعتمادها على الحوار .وتحل الصورة بتفصيلاتها محل المفردة فى الكتابة المعتادة . وإذا نظرنا إلى قواعد هذه اللغة سنجدها قريبة جدا من اللغة الشعرية . فاللغة السينمائية تجنح إلى الاقتصاد فى التعبير. وإن كانت عبارة "كلما ضاقت العبارة إتسع المعنى " تحتفى بشكل ما بالاقتصاد فى استخدام اللغة المكتوبة كانت شعرا او نثرا فإن فى السينما ايضا الاقتصاد فى التعبير هو مفتاح من مفاتيح ضبط الايقاع الفيلمى . ان ما يمكن التعبير عنه بالصورة او بتفصيلة صغيرة فيها لهو كافى تماماً لتوصيل المعنى للمشاهد دون اللجوء الى الإسترسال او اقحام احوار ليشرح ما نراه فعلا . وتعتمد أيضاً لغة السينما على التكثيف فى فى كتابة مشاهدها وفى اختيار عناصر اخرى مثل التفصيلات الصغيرة و زوايا الكاميرا والموسيقى كل هذا يجتمع سويا ليعطينا احساس بالتكثيف ، ومن الواضح جدا ان هذا التكثيف لحو من سمات الشعر أيضاً. وهناك شيئاَ هاما متشابها بين لغة السينما ولغة الشعر هو اعتماد الاثنين بشكل رئيس على الإيحاء فالسينما تعتمد على الإيحاء إعتماداً أساسياً فى بناء مشاهدها كما إنها تحاول ان تبعد قدر اللإمكان عن المباشرة فى التعبير . ومن هنا نجد ان إيقاع الفيلم يعتمد بشكل أساسى على كل من الإقتصاد فى التعبير ، التكثيف ، الإيحاء وهذا بلضبط ما يشكل إيقاع الشعر فكلما كان اتعبير فى السينما مقتصداً مكثفاً كان إيقاع الفيلم منضبطاً خالياً من الزيادات التى تصيب المشاهد بالملل .
كما تستخدم اللغة السينمائية ايضاً التشبيهات والإستعارات والرمز والدلالات فى شكل كتابة المشاهد والتشبيهات والإستعارات هنا ليست أدبية بأى حال من الأحوال بل هى تشبيهات واستعارات بصرية وإستخدام هذه المحسنات فى السينما العربية والعالمية كثيراً ، أذكر منها للقارىء على سبيل المثال فى السينما المصرية مشهد عالق فى الذاكرة من فيلم" شباب إمرأة" عندما كانت السيدة شفعات- تحية كاريوكا- تمشى فى الشارع ماسكة بيد الشاب والطالب "امام " - شكرى سرحان - وهو منقاد إليها مستسلم لسطوتها ، نجد فى نفس المشهد وفى الخلفية رجل يسحب خروفا ًإلى الذبح ليكون التشبيه هنا واضحا واداته الوجود بنفس الكادر وقد يلعب المنتاج دورا هاما فى ذلك او زوايا الكاميرا التى يختارها المخرج لتجسيد مفهوم ما ، كما ان التقطيعات فى هذا الفيلم بين البغل المعصوب العينين الذى كان يدور فى المطحن ليل نهار وبين شكرى سرحان تارة وعبد الوارث عسر تارة اخرى لكانت تشبيهات وا ستعارات بصرية بديعة ولنأخذ مثالا اخرا من مشهد فى فيلم القاهرة 30 عندما جلس محفوظ عبد الدايم - حمدى أحمد - فى جلسة الزواج الصورى وخلفه مباشرة رأس وعل معلق على الحائط ليبدو الرجل وقد إستعارالقرنين فى إحدى اللقطات وإن كان هذا المشهد إتسم بالمباشرة الصارخة إلى إنه علق فى ذاكرة المشاهد والجدير بالذكر هنا ان اداة الاستعارة هنا هى زاوية الكاميرا وكثيراً من هذه التشبيهات موجودة بكثرة فى الأفلام العالمية والعربية .
ومن هنا نجد ان لغة السينما بما فيها من تكثيف وإيحاء وتشبيهات ورموز لهى قريبة
جداً من لغة الشعروكما يشكل الجو العام للقصيدة رونق الشعر فإن المشهد السينمائى بتفاصيله وأداء الممثل والموسيقى التصويرية والاضاءة وزوايا الكاميرا وغيرها من العناصر ليشكلوا جو المشهد الذىيجعله يؤثر فى عاطفة المُشاهد وذهنه .
علاقة المشاهد ببعضها والفواصل التى تفصل بينها وكيف ينتهى كل مشهد بمفارقة ما أو تكثيف لحاله أو تسخيناً للإيقاع أو رقة فى التعبير أو تسائل لم يتم الاجابة عنه ألا شابهت تلك النهايات القوافى فى تأثيرها ، قد يرى البعض مبالغة ما فى هذا ولكن بالرجوع الى الاثر الحقيقى للقوافى او لنهايات الفقرات والجمل فى الشعر الحديث سنجد ان هناك قاعدة ما ابعد تأثيرا من الموسيقى الظاهرية وان هذه النهايات على اختلافها هى فواصل جمالية تهدف بوضع تشكيلة لغوية ما الى الوصول الى حالة من التعبير وسنجد ان تلك الفواصل تعمد الى المفارقة والتكثيف وتسريع الايقاع او التسائل بالضبط كما فى الحالة السابقة فيما يخص نهايات المشاهد
وهنا سأسوق إليكم فيلماً أعده "قصيدة سينمائية" مكتملة لما فيه من سمات الشعر ولعله يكون تطبيقا لما أسلفت القول.
الفيلم هو فيلم "الكيت كات " تأليف وأخراج داود عبد السيد لا ترون معى أن هذا الفيلم لهو معزوفة غاية فى الرقة والعذوبة ناعماً ومنساباً إنسياب الشِعر رصيناً فى بنائه كالقصيدة متخذا من المشهد وحدة بناء فى اغلب الاحيان وليس التتابع كما فى غيره من الافلام . ورغم ان هذا الفيلم مأخوذ عن رواية مالك الحزين للكاتب ابراهم اصلان الى انه لم يكن لصيقا بالبناء الروائى للرواية نفسها او البناء الروائى عموما قدر التصاقه بالبناء الشعرى . الذى يخرج عن المنطق دائما ويعيد تشكيل العالم من خلال رؤاه الخاصة . ومنطقه الخاص. لقد عبر هذا الفيلم فى رصد غير متكلف وبلغة جمالية صافيه عن ذلك المجتمع. وغاص فى اعماق شخصياته من خلال رصد احاسيسهم واحلامهم وحياتهم اليومية المليئة بالتفاصيل التى تفضى الى الوحشة احيانا والى البهجة تارة اخرى ، ليبحث بهذا عن ذات الانسان ومكنونه نفس ذلك البحث الازلى الذى يبحثه الشعر .
ولنتعرض لبعض مشاهد الفيلم لنرى ما فى تلك المشاهد من شاعرية خالصة ، ناخذ على سبيل المثال مشهد الشيخ حسنى"محمود عبد العزيز" وهو يحدث بائع الفول "عم مجاهد" صديق والده ويرد على اتهاماته ببيع البيت الكبير والتى كان اتهمه فى مشهد اخر بها ظل الشيخ حسنى يحادثه دون ان يدرى انه ميت لكن "الشيخ حسنى" استرسل فى كلامه فلم يجيبه الرجل فيمشى بضع خطوات فى حزن شديد ظن ان الرجل لا يجيبه لفرط حزنه على حال الشيخ حسنى لكنه يدرك بعد ثوان ان عم مجاهد لم تصدر منه اى حركة او لفته فيعود اليو ويناديه عم مجاهد ، ولا يجيب الرجل ، فيقترب منه الشيخ حسني في هلع ويضع أذنه على صدره يتسمع انفاسه لكنه يكتشف أنه قد مات ، فيجزع جزعا شديدا ، لكن الحارة فى هذا الوقت المبكر خالية من المارة فلا سبيل ان يستنجد باحد ، يحمل الشيخ حسنى الجسد الهزيل النحيف لعم مجاهد بين يديه ويضعه في عربة الفول ، ويسحبها ويمضي بها في الحارة الضيقة الخالية والصامتة صمت القبور ، وتعلو الكاميرا لتلتقط المشهد من اعلى والشيخ حسني يجرماضيه ، صديق والده المتمسك بالماضى تحمل جثة العم مجاهد نفس العربة التى جرها اعواما اّما كان فى ذلك شعراً بصرياً انطر هنا الى شكل البناء وعلاقة هذا المشهد بما سبقه الشيخ حسنى هنا يرد على اتهامات الرجل فى هذا المشهد حيث ان مشهد الاتهامات هذا كان يسبق هذا المشهد بعدة مشاهد مما يكسر هنا تسلسل ما مع الحفاظ على وجود منطق بنائى خاص . ان ما يحتويه هذا المشهد من تفاصيل من التركيز على ملامح الشيخ حسنى وعلى اطرافه التى يتحسس بها الطريق وعلى اذنه التى هى نافذته على العالم وما اضافه الحوار وما استدعاه من الم فى قلب الرجل واستخدام الاضائة وتوزيع الحجوم فى الكادرات كل هذه العناصر تآلفت لتخرج بهذا المشهد الشعرى ، ها هى زواية الكاميرا تقترب من وجه الشيخ حسنى وهو يتلو الامه لتكون الملامح واضحة خلفيتها السماء مباشرة لتجسد لنا الحالة كلها وتصعد فى النهاية الة اعلى لنرى من ذلك الارتفاع نهاية عم مجاهد جسدا ضئيلا فى ع ربته يجرها رجل كفيف ، كل هذه رؤى شعرية تحتشد عناصر المشهد لتجسيدها .
مشهدا اخر فيه من البوح غنائية حزينة وهو المشهد الذى اجتمع فيه يوسف – شريف منير- مع فاطمة – عايدة رياض- فى غرفة مهجورة مليئة بالعفش القديم المتهالك ترى هنا بوح الشخصيات مغايرا فالشخصيتين تبوحان كل بما يعتمل فى صدر كل واحد من احباطات وامانى فبما يشبه المنولوج فلم ترد فاطمة على بوح يوسف الى ببوح اخر ولم يندمجا الى فى اخر المشهد والذى صورت لنا الكاميرا جسدين ملتصقين من اعلى وسط ركام من حطام الاثاث وكان حطامها صار جزءا من خراب الغرفة.
و مشهد الأب وهو يغنى مع ولده فى تناغم وأحاسيس مختلجة فى مشهد النهاية وهو ذروة القصيدة وكأن الغناء اصلح بين الاب وابنه فالتقيا فيه كما لم يلتقيا قبلا وسمت روحهما على الاحزان والاحباطات وحقق الشيخ"حسنى " حلمه وقاد الموتوسيكل مع ولده فى جو من المرح والحذر من جانب الولد وعدم الإكتراث من جانب الشيخ ثم سقطا فى النيل على أضواء الفجر فى صورة رائقة يلعب فيها ضوء الفجروالنيل جنباً إلى جنب مع أداء "محمود عبد العزيز" و"شريف منير" ليكتبوا نهاية ذلك الفيلم الشعرى. على ان شعرية هذا الفيلم لا تقتصر على شعرية المشاهد فقط بل على شعرية البناء الذى يكسر المنطق البنائى ليخرج بمنطق منفرد وتسلسلا خاصا يراوح بين الاعتماد على التتابع كوحدة بناء وعلى المشهد كوحدة بناء خاصة تتجاور مع مثيلتها من الوحدات لتكون نسيج هذا الفيلم البديع

و على ايا حال ان مفهوم السينما الشعرية ومحاولة التأصيل له لهو مفهوم قديم و مطروق سابقا من قبل عدد من المخرجين وعلى رأسهم المخرج السينمائى تاركوفيسكى الذى يرى ان لكل فن من الفنون الانسانية معنى شعرى ما خاص بهذا النوع بالذات وان ذلك ينطبق على السينما ايضا . بل اكثر من ذلك يتنبأ البعض بان الشعر السينمائى سيحل محل الشعر المكتوب وان شعراء الالفية الثالثة سيكتبون بالكاميرا بدلا من القلم.

1 comment:

إبـراهيم ... معـايــا said...

جميل أن تكون هنــا
سعدت بلقاءك في معرض الكتاب
وشكرًا على مجموعتك المتميزة (ابن بحر)، تحدثنا عن إمكانات نشر مختلفة مع دار أكتب


خالـص تحياتي
إبراهيم عادل